من الممكن ان توصف الكثير من الظواهر او الاحداث من حولنا على انها صور مختلفة للعبة التحمل … وانا اتحدث اليوم عن لعبة تحمل من نوع خاص ربما .. تتعلق بالعلم والمعرفة .. الاو هي شهادة الدكتوراة .. واكثر ما اعجبني في وصفها مقال منشور في مدونة Beyond Normal بعنوان الــــعــــد الــتــنــازلـــي وكان فيها “الدكتور رامي ” يصف الحصول على مثل هذا النوع من الشهادات الاكاديمية بانها ” لعبة تحمل .. من يصبر للنهاية ينال الشهادة .. لا يرسب احد في الدكتوراة .. لكنهم يتساقطون ضجراً أو عجزاً أو يفقدون الهدف ” وهو وصف نفسي دقيق .
ويقول ايضا ان من يدرس لنيل هذا النوع من الشهادات الاكاديمية يشعر في احيان كثيرة ان هذه السنوات لن تنتهي ابدا ..!! وازيد انه قليلا بل نادرا ما تأتيه لحظات يشعر فيها انه قد اقترب من تحقيق الهدف ، مقابل انه يشعر معظم الوقت أن ما أنجزه حتى اللحظة لا يمكن أن يؤهله للحصول على هذه الدرجة العلمية !!
اعجبتني ايضا تلك الجملة التي وصف فيها ما على من حصل على هذه الشهادة ان يفعل حيث قال ” ان الدرجة تعني ببساطة انه عليك السير مع المتعلمين في طريق لا (أسطى) فيه ولا (صبي) بل زميلان مختلفان في المراحل يشترك كل منهما في إنارة الاخر ”
من يدرس في البلاد المتقدمة علميا يدرك مثل هذا المعنى في الحصول على مثل هذه الشهادة …. صحيح انها تعتبر انجاز شخصي لمن يحصل عليها لكن الحصول عليها ليس كافيا لاثبات ان قدرتك على التحمل ذات امد طويل وانك تمتلك نفسا طويلا لتستمر في الطريق التي يسير فيها المتعلمون !! على الرغم من انها تستغرق 3 الى 4 سنوات في المتوسط ! لكن طريق العلم وبيئة البحث تحتاج الى صبر يمتد على الاقل الى عقد كامل من الزمن ان اردت ان تقدم شيئاً ذا بال لمجتمعك ولأمتك !
في نظري ان شهادة الدكتوراة تعني فيما تعنيه ان الحاصل عليها لديه كثير من الادوات التي يستطيع بها ان يبحث ويمحص ويطور ، اما مقياس الجودة الخاص بهذه الشهادة فليس هو الحصول على مرتبة شرف او تقدير ممتاز بل هو مقدار ما يُقدم من هذه الرسالة على صعيد النشر العلمي خاصة اذا كان هذا النشر في مجلات عالمية محكمة ، وهذا هو تماما ما يحدث في البلاد المتقدمة حيث تقيم رسائل الدكتوراة في نهاية كل سنة دراسية ويتم التصويت على افضلها في احد المؤتمرات العلمية على اساس عدد ما تم نشره من اوراق علمية مستخلصة من هذه الرسالة وفي اي المجلات نُشرت ! ولا يقتصر النشر العلمي هنا على النشر في الدوريات العلمية بل يشمل النشر في المؤتمرات العلمية كذلك . يبقى المحك في مقدرة الحاصل على الشهادة على الاستمرارية في هذا الطريق بعد حصوله على الشهادة !!
اعلم ان مثل هذا الكلام قد يحسب علي ، لكن خذوها مني واجري على الله
حسناً …
ما مناسبة الحديث عن لعبة التحمل هذه .. وعن الدكتوراة ومعانيها !!
المناسبة هو أنني ولله الحمد والمنة قد حصلت عليها يوم امس الاثنين من مركز الامراض المعدية ، كلية الطب ، جامعة ادنبرة باسكتلندا
وبالمناسبة أيضا فإن رسالتي كان عنوانها
Lipopolysaccharide from different bacteria :Extraction methods, Signalling and Cytokine Production
اما المبنى فلا اظنه سوف يضيف الكثير ، لو وفقت في عرض الفكرة بشكل مستساغ وكان معناها مقبولا .. لكن لا بأس من الاشارة الى ان محمد بن عبدالله باحاوي هو من يكتب هنا باسم باحث.
من توفيق الله أن يسر لي دراسة الدكتوراة تحت اشراف باحثين من الطراز الرفيع علما وتواضعا وعطاءً الا وهما
المشرف الرئيسي الدكتور جون ستيورات Dr John Stewart (في الوسط)
والمشرف المساعد البروفيسور ايان بوكستون Professor Ian Poxton (في يسار الصورة)
من اكثر ما كان يميزهما طوال مدة الاشراف علي هو انهما كان يصدران عن رأي واحد وكان كل واحد منهما يبدي للاخر مستوى راقيا من الاحترام والتقدير غير المصطنع.
ومن تمام فضل الله علي أن يسر لي يوم امس “يوم مناقشة رسالة الدكتوراة” ممتنحن خارجي واخر داخلي من نفس طراز المشرفين الا وهما
البروفيسور بيتير لامبارت Prof Peter Lambert من جامعة استون بمدينة بيرمنجهام بانجلترا
والبروفيسور جون قوفان Prof John Govan (في يمين الصورة ) من مركز الامراض المعدية ، كلية الطب ، جامعة ادنبرة (الثاني من اليمين).
على عجالة فإني أؤكد على المعاني الذي اوردها الدكتور رامي في مدونته واقول اني وجدت القوم هنا على الاخص مشرفي في مرحلة الدكتوراة الدكتور جون ستيوارت والبروفيسور ايان بوكستون على امثل ما يكون المشرف عطاء وصداقة وتواضعا وتقديرا لطلبتهم الدارسين تحت اشرافهم ، واظن ان امثلتهم في بلادهم كثير إذ أنها ثقافة تشربتها نفوس القوم واعني بهم اعضاء هيئة التدريس في الجامعات البريطانية وأساليب في التعامل والبحث تأصلت لديهم ولا يعني هذا أنه لا يوجد لديهم ما نجده وللأسف الشديد في معظم بلادنا العربية من “التسلط” المنسوب زورا وبهتانا الى المعرفة او العلم ، بل اني عايشت امثلة بريطانية لما يلقاه ابناؤنا وبناتنا من تسلط وظلم باسم العلم والدرجة الاكاديمية ايا كانت في عالمنا العربي .
القوم هنا لا يقيمون للألقاب وزنا .! لكنهم يقدرون العطاء والجهد كثيراً … ولا تسمع لفظة دكتور او بروفيسور تنطق بها الالسنة الا اذا كان المتحدث بها في اغلب الاحيان وللأسف الشديد من عالمنا العربي !! ليس هذا انبهارا بقدر ما هو انصاف تقتضيه امانة العلم !! ومثل هذا المستوى المثالي من الاشراف العلمي يثري تجربة احدنا كثيرا ويضيف لها كما هائلا من المكتسبات التي تتعدى الصبغة العلمية المجردة.
وكنت كثيرا ما اتذكر تلك المرأة التي وقفت وسط الجموع تنادي الفاروق عمر رضي الله عنه حينما عزم على تحديد المهور فقالت : يا عمر !! هكذا باسمه المجرد من دون القاب التعظيم والتفخيم التي ابتليت بها اول ما ابتليت مجتمعات البحث العلمي في حين انه كان الاجدر بها ان تكون من القدوة الحسنة بمكان سامق !
العلم لدى هؤلاء القوم أولوية لا يمكن التفاوض عليها او التقليل من شأنها ويعتبرونه شأن كل امة طموحة واساس كل تقدم ، بل هو من اوائل الاوراق الانتخابية التي تزايد عليها الاحزاب المتنافسة هنا ، ويبدأ أحدهم حملته بالقول أن سياستي متركزة على ثلاث كلمات : التعليم ثم التعليم ثم التعليم !!
مؤسساتهم العلمية تعطيك المخبر قبل ان تبدي لك المظهر !! ومؤسساتنا العلمية تتفنن في تزيين المظاهر ولا أثر لمخبر الا ما ندر
والدليل الواقعي ان مؤسساتهم العلمية تساهم في التنمية والتقدم بكل الصور ومؤسساتنا العلمية تكبح جماحهما ،
مؤسساتهم العلمية تعتبر ان الانسان هو المنطلق والهدف المنشود فتعطيه كما تطالبه ! ومؤسساتنا العلمية تعتبر ان الانسان هو الهدف الذي ينبغي ان تتوحد الجهود للنيل منه ، الا من رحم ربك
فكيف نرجو بعدها ان نفكر في منافسة القوم علميا فضلا ان نقتحم هذا الباب ، ولعمري لو قُدر لنا ان ندخل هذا الباب فسوف نجد انفسنا مغلوبين متقهقرين الى الوراء سنوات ضوئية !!
وليس الحل قطعاً أن نبقي الباب موصداً ، لكن الجهود المطلوبة لاقتحام هذا الباب لا تطيقها قدرة الافراد ولا المؤسسات ، لكن قد تستطيعها ارادة صادقة للحكومات والشعوب
أظن أن ما سبق من حديث هو من الأعراض المعروفة بـ PhD Syndrome فاسألوا الله لي الشفاء ! ..
ولأني قد أطلت فاترككم مع هذا الموقع لتجارب مجموعة من الحاصلين على هذه الشهادة يوم مناقشتهم
وفي الختام اقول
اللهم ان أسألك شهادة لا كسائر الشهادات
شهادة تغفر بها ذنبي ، وتضحك بها مني ، وترضى بها عني
اللهم امين
ودمتم بخير

